سيد محمد طنطاوي
370
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قوله - تعالى - * ( ولِلَّه مُلْكُ السَّماواتِ والأَرْضِ واللَّه عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) * أي له وحده - سبحانه - ملك السماوات والأرض بما فيهما ، فهو وحده صاحب السلطان القاهر في هذا العالم يتصرف فيه كيفما يشاء ويختار : إيجادا وإعداما ، وإحياء وإماتة ، وتعذيبا وإثابة ، وهو - سبحانه - على كل شيء قدير ، لا يعجزه أمر ، ولا يدفع عقابه دافع ، ولا يمنع عقابه مانع ، فعليكم أيها الناس أن تطيعوه وأن تحذروا غضبه ونقمته . وبعد أن بين - سبحانه - أن ملك السماوات والأرض بقبضته ، أشار - سبحانه - إلى ما فيهما من عبر وعظات فقال : * ( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ والأَرْضِ ، واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لآياتٍ لأُولِي الأَلْبابِ ) * . أي : إن في إيجاد السماوات والأرض على هذا النحو البديع ، وما فيهما من الآيات المشاهدة العظيمة من كواكب وبحار وزروع وأشجار . . . وفي إيجاد الليل والنهار على تلك الحالة المتعاقبة ، وفي اختلافهما طولا وقصرا . . وفي كل ذلك لأمارات واضحة ، وأدلة ساطعة ، لأصحاب العقول السليمة على وحدانية اللَّه - تعالى - وعظيم قدرته ، وباهر حكمته . وصدرت الجملة الكريمة بحرف « إن » للاهتمام بالخبر ، وللاعتناء بتحقيق مضمون الجملة . أي إن في إيجاد السماوات والأرض وإنشائهما على ما هما عليه من العجائب ، وما اشتملتا عليه من البدائع ، وفي اختلاف الليل والنهار . . . إن في كل ذلك من العبر والعظات ما يحمل كل عاقل على الاعتراف بوحدانية اللَّه ، وكمال قدرته وحكمته . والمراد بأولى الألباب : أصحاب العقول السليمة ، والأفكار المستقيمة ، لأن لب الشيء هو خلاصته وصفوته . ولقد قال الزمخشري في صفة أولى الألباب : « هم الذين يفتحون بصائرهم للنظر والاستدلال والاعتبار ، ولا ينظرون إليها نظر البهائم غافلين عما فيها من عجائب الفطرة . وفي الحكم : املأ عينيك من زينة هذه الكواكب ، وأجلهما في جملة هذه العجائب متفكرا في قدرة مقدرها ، متدبرا في حكمة مدبرها قبل أن يسافر بك القدر ، ويحال بينك وبين النظر » « 1 » .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 348 .